ثقافة عندما تتّحد "آلهة الفجر أورورا مع آلهة الشفاء سيكانا" على الركح الأثري لقرطاج، وتُعانق نسرين جابر وسعاد ماسي بصوتيهما هواجس الإنسان
أطلّ مساء الأحد 06 أوت 2023 على الركح الأثري لمهرجان قرطاج الأخوان نسرين ووائل جابر والفنانة الجزائرية سعاد ماسي لإحياء سهرة فنية مشتركة مزيّنة بألوان السلام والمحبّة ومعطّرة بمسك الانتصار للحرية والكرامة وقضايا الشعوب والإنسانية، وهي سهرة واكبها جمهور محترم كان متعطّشا لشيء من السكينة التي تاهت في ضوضاء حاضرنا وماضينا ..
الفقرة الفنية الأولى والتي أثثها الاخوين نسرين ووائل جابر وناهزت ما يقارب الـ90 دقيقة، كانت بعنوان "أورورا" الذي يعني الشفق القطبي، وهو مشروع انطلقت فكرته في فترة الكورونا ويقوم على إنتاج أغاني تراثية بتوزيع جديد معاصر وفق ما يؤكده الأخوان..
وتجسيدا وبلورة لعنوان هذا المشروع الفني أطلّت الفنانة نسرين جابر بفستان أبيض اللون وإطلالة أرادت من خلالها محاكاة آلهة الفجر وأخت القمر "أورورا" وفق ما ينطق به لسان الأسطورة الرومانية التي تقول بأنّ هذه الآلهة تقطع السماء في عربتها قُبيل الفجر معلنة عن قدوم عربة "أبولو" إله الموسيقى والنور والفطنة، حاملة شمس اليوم الجديد.
وفي موسيقى مزجت بين عالم الالكترو والموسيقى الفلكلورية التراثية والعربية، تصدح نسرين جابر بصوتها وتعلن عن قدومها بباقة من الأغاني التي استحضرت عن طريقها نفس الحرية والانعتاق والصمود والمقاومة وأحيت من خلالها كلمات رسمها شقيقها وائل جابر في مخيّلتها "قد ما تطيح وتوصل للقاعة معندك حتّى ثنية وحلّ إلّا إنك باش تطلع"...

" جمل يهدر، جنّح، الدنيا تدور، الحكاية في راسي، غير الناس"، من بين الأغاني التي صدحت بها نسرين جابر وسط تفاعل جماهيري كبير زاد من توهّجه وحماسه إعادة إحياء الأغنية التراثية "إلّي هزّ رقية" بنفس فني وحّد ثنائية الحداثي والتقليدي.
سعاد ماسي... ورحلة البحث عن البلسم
بتصفيق وتفاعل كبير من الجمهور الحاضر، يغادر ركب "أورورا" آلهة الفجر لتنطلق رحلة "سيكانا" نحو مناشدة الشفاء والبلسم والبحث عن الذات بصعود الفنانة الجزائرية العالمية سعاد ماسي الركح وهي تحمل غيتارتها رفيقة دربها، ويرافقها خمسة موسيقيين موزعين على مختلف الآلات على غرار «االغيتار» و«آلة الباتري » و«الكمنجة» و«الطبلة».
و"سيكانا Sequana" المستوحى من اسم آلهة الشفاء والعلاج والطبيعة في عصر جالو الروماني التي كانت تراقب ينابيع المياه العذبة لنهر السين، هو عنوان الألبوم الجديد للفنانة سعاد ماسي الذي أتى بعد النجاح العالمي الذي لاقى ألبومها الأخير "أمنية"، وتوّجت من خلاله بعدة جوائز موسيقية عالمية من بينها لقب أفضل فنانة وأفضل ألبوم ضمن جوائز أديسون Edison الهولندية، كأول فنانة عربية يتم اختيارها لنيل هذه الجائزة.
خلال فقرتها متنوعة المذاقات بين الروك والكانتري والموسيقى الصحراوية والنوتات القبلية، تُطلق سعاد ماسي عنان صوتها ليرفرف على المدارج ويهزّها، ويتماهى غناؤها بنطق غيتارتها وعزفها كذلك على آلة الباتري مكوّنة لوحة فنية متكاملة زاد من جمالها عزف الفرقة الموسيقية خاصة "صاحب الكمان" الذي لامس الإبداع في إحدى الوصلات الفنية التي هزّت الروح والوجدان ورجّت مسام الجسد...

وقد كان الحاضرون على موعد مع باقة من الأغاني القديمة والحديثة لماسي من بينها دار جدي، إطلق يدي، وآش يداوي، وسلام، ارسملي بلاد / Dessine-moi un pays هذه الأغنية التي تحلم فيها ماسي وكل الشعوب العربية ببلاد عنوانها الامان.. بلاد لم يرسمها أيّ فنان، فيها ترسم الابتسامات وتُمحى آثار الذلّ عن وجه أي إنسان... الى جانب أدائها إلى أغنية ترفع راية المقاومة وتبكي قهر الشعوب...
ولم تنس سعاد ماسي مغازلة الحب الذي افترش بساط عدد من جالسي المدارج، وكان متعطّشا لأغنية "غير انت" فتشرّبت من خلالها أحاسيسهم وسكنت عواطفهم وهي الأغنية الأقرب إلى وجدان محبيّها... ولم ترهق برودة الطقس وتقدّم الوقت الجمهور الحاضر (العرض استمر الى ما بعد الساعة منتصف الليل و42 دقيقة) الذي أبى أغلبه مغادرة المدارج قبل توديع صاحبة "يا قلبي وغير انت"...
وهكذا تسرّبت في هذه السهرة المشتركة كل الموسيقى الى قلوبنا مثل زخات المطر، تمرّدت كورق الزيزفون المتطاير وسمت كسموّ زهر الجلّنار بلونه النابض القاني المتعالي... فكانت مثلما قال جبران خليل جبران كالمصباح الذي يطرد ظلمة النفس، وتنير القلب فتظهر أعماقه، وتوقض كل خيالات المشاعر الحية...
منــارة تليــجـاني